جاهد عبد الناصر حتى رأى في حياته ثلاث دول عربية كبرى تعقد اتفاقية وحدة واندماج تام وتكوين جبهة عربية واحدة، حلم لم يكتمل ولكنه على الأقل نجح أن يحوله الى واقعة تاريخية ملهمة بين عامي 1958 و1961! وفى المقابل نجح مرسى في شق الصف المصرى نفسه إلى مواليين وممولين ،معاونيين ومعارضين، إخوان وخائنين، شرفاء و(مزنوقين). وبذل جهوداً مضنية في بضعة أشهر كانت أبرز نتائجها أن تحولت وحدتنا الوطنية الراسخة إلى مجرد حلم!! وأصبح يتصدر مشهدنا السياسى اليوم جبهتان متحاربتان متصارعتان متبادلتان الوعود والإتهامات أيضا، جبهة الإنقاذ وجبهة الضمير الوطنى.
لن أخوض في مقارنات سياسية أو تاريخية بين
العصرين أو بين الجبهتين، فالبون شاسع، والمقارنة ظالمة، والشعب أذكى من أن يفند
له أحد أو أن يذكرّه. إنما تمنيت على النخبة من الفريقين أن يفطنوا الى أمر أخطر
من مجرد إدعاء القدرة على الإنقاذ، أو إدعاء احتكار الضمير الوطنى. تمنيت لو عرف
ساستنا أننا فى احتياج الى من ينقذ ضميرنا الوطنى نفسه! نعم فالضمير في مصر يمر
بأزمة طاحنة ، ليس في امتلاك ضمير من عدمه انما في كنه هذا الضمير وقناعاته
وثوابته.
وهل يختلف صوت الضمير من انسان الى آخر؟ بلى،
الضمير في بلادنا مشوّه، مرن، موّجه ويكيل في أحسن الظروف بمكيالين فقط. ويحضرنى
هنا قول السيد المسيح لشيوخ اليهود "أيها القادة العميان الذين يصفون عن
البعوضة و يبلعون الجمل"! نعم بعض ضمائرنا تصف عن البعوضة وتبلع جمالاً
بطولها وعرضها دون أي عناء. بعض الشعوب تهمل فى العبادة وتمرر ضمائرها العلاقات
المحرمة بدعوى الحرية الشخصية، ولكن ضمائرهم تنتفض أمام الكذب أو الرشوة أو
المحسوبية أو عدم النظام. وفى بلادنا بعض الضمائر تنتفض لصوت المؤذن فلا تفوت
فرضاً، بينما تصم آذان ضميرها عن أنين أطفال يسكنون الشوارع على بعد خطوات من
المسجد أو الكنيسة، يرتجف ضميرهم أمام أمرأة لا ترتدى حجاب بينما يمتنعون عن
مساندة أخرى تعرضت للتحرش والسحل ويصرخون بضمير مستريح: "وهو أيه اللى وداها
هناك؟"!
لا تبحث في الآخرين
حولك، أفحص ذاتك. هل لمحت ضميرك هناك عندما (ركنت سيارتك) صفاً ثانيا أو ثالثاً،
أو عندما أمرت ابنك بالقاء أكياس الشيبسى وبقايا سندوتشاتك وزجاجة المياه الغازية
من نافذة السيارة؟! هل سمعت همساً من ضمير يمنعك من وضع (الشاي) في درج مكتبك؟! هل
هزه قلمك وانت توقع بالحضور لزميلك الغائب؟ هل أوقظه صوت (الكمسارى) وانت تهرب من
عربة الى أخرى؟! هل طالع ضميرك جريدة تنبئك بهدم أو حرق كنيسة في
وطنك يصلى فيها جارك بينما تحارب أنت من أجل مقدار ارتفاع مأذنة في سويسرا؟! هل
سألك ضميرك عما انتهت اليه قضية الرجل الذى مزق الإنجيل وسب المسيح والعذراء مثلما
ارتاح ضميرك الى الحكم السريع بالإعدام على المتهمين بالإساءة الى الرسول الكريم بمجرد
الإشتباه دون منحهم الحق في الدفاع؟!
الأغرب أن
بعض ضمائرنا ترحب بالقتل !! .. نعم، أحدهم يؤرقه ضميره إن لم يأخذ بثأر أبيه الذى
قُتل هو نفسه أخذاً بثأر آخر! وآخر لا يرتاح ضميره وينعم إلا بقتل ابنته التي
أخطأت في علاقة عاطفية تورطت فيها هربا من العذاب والإمتهان الذى أذاقه لها في
بيته وهو هانئ البال هادئ الضمير! وثالث يرغى ويزبد ويصب اللعنات على أولئك
المارقين الخارجين على الرئيس يقولون في وجهه كلمة حق ويرفعون امامه مطالب عادلة،
يرفض ضميره حجراً يلقيه يائس محبط مكلوم في أصحابه وفى أحلامه .. ويقبل ضميره
مباركاً رصاصة يطلقها جلاد السلطان!
الضمير
الوطنى في مصر الآن يا سادة يتقبل بكل بساطة إلغاء النشيد الوطنى في مدارس خيرت
الشاطر بينما يتهم الثوار بالخيانة، يصمت عن تصريحات العريان المرحبة بعودة اليهود
والتصالح مع رجال النظام السابق ويكيل اتهامات للبرادعى وهو - شخصية دولية – بسبب
حديثه عن الهولوكوست وللمعارضة بإحتضان الفلول! ضمير وطنى آخر يملكه أحد مستشارى
الرئيس لم يدفعه إلى الإستقالة لأنه لا يلعب إلا دوراً تمثيلياً يساعد النظام في
إرسال رسالة خادعة كاذبة إلى من وثقوا به، ولم يستقل عندما رأى الرئيس ينكث بالعهد
تلو الآخر ولم يسمع أحد صوته مندداً بسحل المواطنين وتعليقهم على باب القصر الذى
يعمل به، ولكنه عندما غُدر به ذرف دموعه وطلب المساندة! تابعت رموزاً في بلادنا عندما كانوا يسئلون سابقاً عن سبب زيادة جرائم الإغتصاب فيجيبون بأن البلاد لا تحكم بشرع الله ولا يحكمها رجال الله! والآن يجيبون بأن الضحايا هن السبب ووحدهن يتحملن الذنب والمسئولية!!
لدينا ضمائر
وطنية معتبرة لا تجد أية غضاضة في أن تكون مصر إحدى ولايات الخليفة المنتظر وأن
تحكم مصر من بابه العالى في مكة او القدس او الآستانة (تانى) !! لدينا ضمائر وطنية
تغفر للرئيس استبداده وكذبه وجرائمه طالما ملأ الشعر لحيته ونقلت الكاميرا صلاته!
تؤيده وهو يظن الحكم غنيمة أخذها بسيفه لا يفرط فيها حتى آخر قطرة من دماء شعبه،
وحتى آخر ريــــال قطرى !!
ليحكم من يحكم، فالمحصلة واحدة ..
طالما بقيت ضمائرنا على فسادها ورياءها .. تظل الخيبة تلاحقنا من جيل الى جيل
وينتقل نفاق فريق لرئيس ما إلى نفاق الفريق الآخر لرئيس آخر، بذل السياسيون وقتاً
وجهداً كثيراً لإذكاء الصراع والاستقطاب .. وساهم الإعلام الحكومى والخاص والدينى
كل بثقله ومكانته في إشعال التعصب وإبراز الخلاف .. ولم يبال أحد بهذا الكم الهائل
من العقول التي تاهت والضمائر التي تشوهت وفقدت مبادئها وثوابتها الإنسانية والدينية
والوطنبة.
أيها السيدات
والسادة أنقذوا عقولنا وضمائرنا اولاً ..
قبل أن يسقط كل شيئ!
No comments:
Post a Comment