Friday, February 15, 2013

صورة عبد الناصر


    سنوات عمرى لم تتجاوز الثلاثين بعد، ولكننى رأيته! لا أعرف عدد أولئك الذين عاشوا نفس تجربتى معه منذ الصبا، ولكنها تجربة بطول حياتى وعرضها .. وعمقها أيضا!

    رأيته في بيتنا البسيط القابع في عمق الصعيد، صورة كبيرة لوجه مبتسم، ملامحه مريحة رغم الشجن والمرارة التي تطل من عينيه، معلقة في (المندرة) وهى غرفة الاستقبال وقاعة المناسبات وقت اللزوم عند أهل مصر العليا. لم أكن في صغرى أعرف صاحب هذه الابتسامة الممتلئة بالأسرار ومالك تلك الحظوة في صدر ابى وفى صدارة قاعتنا. وتزيد حيرتى كلما زرت جدى – رحمه الله - في بيته العتيق وكنت في دراستى الابتدائية حين توفى وكان هو في عامه السادس والتسعين، لا أكاد أذكر كلمة واحدة من حواراتنا الكثيرة ولكن شيئاً واحدا لا استطيع أن امحوه من ذاكرتى ما حييت، صورة أخرى لنفس الوجه المبتسم في بيتنا ولكنه في بيت جدى لا يبتسم، بل ينظر في تحدٍ الى الأمام وكأنه يسابق زمنه! وجه ممتلئ بالأمل والنضال رغم نفس الحزن في عينيه. كانت الصورة في بيت جدى تجذبنى بشكل خاص فأظل طوال جلستى هناك معلقا عينى وقلبى اليها كما الى جدارية فرعونية في معبد أحاول سبر أغوارها وفك طلاسمها. كانت الصورة بلا اطار يحدها وبلا زجاج يحميها .. كانت مجرد ورقة منتزعة من مقدمة كتاب، ظلت تتحدى عوامل الزمن واختلافه ولم يمنحها إلا لونه الأصفر! ولكن الصورة في بيت جدى كانت تفصح عن صاحبها بعبارة كانت تقبض قلبى كلما وقعت عليها عينى .. "في ذمة الله الزعيم جمال عبد الناصر"، كنت أحاول ان اتجنب قراءتها ممعناً النظر في عين الزعيم الحزينة وفى أنفه المشرئب!
    ورغم أننى فهمت فيما بعد سر غموض النظرة وسر كبرياء الأنف وسر حنو الابتسامة. إلا أن سراً اخر لم افهمه لماذا ترك أبى وجدى هاتين الصورتين في مكانيهما كل هذه السنين، ألم يعلما بأنه قد مات وأن رئيسين اثنين قد تقلدا الحكم بعده؟ أم انهما لم يردا ان يعلما؟ أم انه وقع الصدمة الهائلة مازال أثره كامناً في نفسيهما يمنعهما من التصديق؟! أم أن حال مصر بعده لم يمنح أحدا الجرأة لينزع صورته من حائط البسطاء وقلوبهم ليضع صورة آخر؟!! أمى لاتزال تذكر جنازته الرمزية في قريتنا وتروي لنا مشاهدها كأن رئيساً آخر لم يمت في مصر. أبى يروى عن رحلاته الى القاهرة في شبابه وعن الميادين التي تمتلئ بالبشر ترنوا آذانهم الى صوت عبد الناصر وتشرأب أعناقهم لرؤيته وكأن أحداً لم يخطب في شعب مصر بعده!! توفى جدى .. وذهبت الى مدرستى الثانوية .. تركت قريتى والسؤال لم يتركنى ابدا .. لماذا لم يمت عبد الناصر؟!
    مدرسة الشهيد عبد المنعم رياض الثانوية بسوهاج هي وريثة مدرسة الجهاد المنشأة في عهد عبد الناصر .. ولحسن حظى كانت وريثة مكتبتها أيضا! قرأت فيها جل روايات توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ و عباس العقاد .. قرأت فيها للحكيم رواية "عودة الروح" التي شكلت كثيرا من وجدان وعقيدة عبد الناصر قبل الثورة، وقرأت له "عودة الوعى" الذى ينتقد فيه عهد عبد الناصر بعد رحيله! .. قرأت كتاباً ضخما لكاتبة غربية - لم اعد اذكر اسمها – اسمه "جمال عبد الناصر في طريق الثورة" وتعجبت كيف يكتب الغربيون بكل هذا الانبهار عن عدوهم الأبرز في الشرق! قرأت لعبد الناصر نفسه كتاب "فلسفة الثورة" ورأيت كم كانت أحلامه عريضة وتطلعاته عظيمة وكم كانت ثقته في شعب مصر وفى العرب بلا حدود .. قرأت للسادات "يا ولدى هذا عمك جمال" واعترافه بنزعة عبد الناصر الى تحقيق الديمقراطية الحقيقية وهو الحلم الذى لم يستطع تحقيقه لأسباب كتب عنها الكثيرون بين مؤيد ومعارض .. ترى هل أحبه المصريون لأنه الوحيد الذى لم يتعالى عليهم، من كان يعتبرهم الترمومتر الحقيقى لقياس صحة توجهه، الوحيد الذى شعر بالآمهم وخاطب احتياجهم الحقيقى وحلم أحلامهم وتكلم بلغتهم وعاش بينهم؟ .. الوحيد الذى تواصل مع الأحرار في كل قارات العالم وساندهم وناصر قضاياهم العادلة بلا خوف او مواربة او تواؤمات سياسية جوفاء مملوءة بالرياء لمن لا يستحق؟ .. ربما
    رأيت مقاطع فيديو وصوراً وقرأت شهادات موثقة لمن عايشوا قصة بناء الكاتدرائية الكبرى بالعباسية، وتأملت تفاصيلها. كيف وقر في يقين عبد الناصر أن بناء كاتدرائية تليق بالكرسى المرقسى السكندرى العريق وتليق بقر بطريرك الكنيسة القبطية، ليس تمجيدا لدور الكنيسة المصرية فحسب ولكنه تمجيدا وتأكيدا لدور مصر الحضارى الذى استنارت به جميع الأمم، تأملت معنى أن يجلس الراحل البابا كيرلس السادس في منزل عبد الناصر ويفتح أبناء الزعيم (حصالتهم) ويفرغون ما فيها من نقود بسيطة في منديل البابا تبرعاً ومساهمة في بناء الكاتدرائية، أن يمسك عبد الناصر بيد البابا في يوم الإفتتاح ويستند عليه اثناء صعود سلالم الكاتدرائية ويسر اليه بألم ركبته، ثم يرسل قوات الحرس الجمهورى لتفسح طريقاً لسيارة البابا بين حشود المواطنين المحيطين ببيته يطالبونه بإلغاء قرار التنحى. فيحمل له البابا رجاء أبناء شعبه الى الزعيم بأن يبقى فهو الأمل في النصر على رأى ام كلثوم وقبانى. هل عاش عبد الناصر في قلوب البسطاء لأنه دعم الوحدة الوطنية بالفعل والإحساس والصدق لا بالكلام الذى لا رصيد له من الحب؟! ... هل لأنه استحق أن يرى مريم العذراء وهى تتجلى في كنيسة الزيتون لتمسح دمعة النكسة من عينه فأمر بتحويل جراج هيئة النقل العام بالزيتون الى كاتدرائية فخمة تروى حتى اليوم عن تأييد سمائى لصدق الرجل واخلاصه مهما كانت عقيدته ..  ربما
    لا استطيع ان احصى ما سمعته وقرأته من حكايات تشبه الأساطير عن إحساس الرجل بهموم شعبه ورفضه التميز عنهم بأى شكل ولا أن ينسحب رغد الرئاسة وبهرجته الى أفراد اسرته والى بيته .. أؤكد لك أننى رأيته في أنين كل الفقراء والمهمشين في بلادنا .. أبى وجدى لم ينعما بفدادين الإصلاح الزراعى التي وزعها جمال على الفقراء و لكن ياصديقى .. للحب أسباب أخرى!
    كبرت وعرفت أكثر أن عبد الناصر فشل كثيرا وأخطأ كثيراً وضيع الكثير من الفرص.. ولكن ما يستحق الدراسة والتأمل في تجربته كثير جدا جدا .. وأهمه في نظرى هو أن معه نفض الشعب المصرى عن نفسه كثير من التشوهات والعادات التي اكتسبها على مر عصور الاحتلال المتتابعة. فتنحى عن السلبية واتجه الى البناء بقوة والعمل بحماس شديد وانطوى تحت لواء النهضة الحقيقية الصادقة التي اطلقها بعد الناصر في مجالات الصناعة والزراعة والعلم والثقافة والفن وجعل الكثيرين من سجناء الرأي في عهده ينسون سجنهم والظلم الواقع عليهم ويؤيدون الحلم والهدف الذى رسمه عبد الناصر في آفاقهم في ظاهرة غريبة لم تتكرر في مكان آخر، أن يتضامن المسجون مع سجانه في سبيل الهدف الأكبر والحلم الأوسع. ولعل من أكثر ما يؤرق ناقدى عبد الناصر وأعدائه، من أول الجماعة المحظورة في الداخل وحتى الدولة العنصرية في الخارج، هو أن الشعب المصرى كسر مع ناصر قاعدته التاريخية "مات الملك .. عاش الملك" فلم يكن التفاف الجماهير حوله انبهاراً مؤقتا بانتصار ظاهرى ولا كان خوفا من القمع والترهيب كما يروجون .. بل أن المصريين ألتفوا حوله في وقت نكسته وتنحيه أكثر من وقت انتصاره .. والملايين التي ذهبت وراء جنازته التاريخية وبكت عليه بدموع القلب تخطت أضعاف المستمعين لخطبه النارية في عنفوان حكمه!
    وأخيراً، لم اتعجب حين خرجت صورته مع ملايين المصريين في ثورة العيش والحرية والعدالة الأجتماعية والكرامة الإنسانية، فهذه المفردات باقية في أذهانهم منذ أن سمعوها للمرة الأولى من عبد الناصر .. وهذه الصورة التي خرجوا يحملونها ليست جديدة ولكنها كانت معلقة منذ عشرات السنين على جدران منازلهم وبين خفقات قلوبهم وما لحقها من الزمن سوى صفرته التي زالت هي الأخرى أمام سيل الدماء الذكية لشهداءنا وتجدد معها شباب المصريين وأملهم.المقال على بوابة الشروق

1 comment:

  1. شكر واجب على المادة الجميلة والتى سلطت الضوء على نواحى شتى تجاهلها الكثيرين بل اصبحوا ينسبونها لأنفسهم بالفضل وهم أبعد ما يكونون عن هذه القيم التى تبناها زعيم مثل جمال عبد الناصر فى أوقات كانوا هم يتكالبون للتأمر والخيانة

    ReplyDelete